جعفر الخليلي
153
موسوعة العتبات المقدسة
وشملت منه العافية ، ونقض اللّه بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة والسعي في الفرقة ، والتربّص للفتنة ، ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت اليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها وثقل محملها ، وشدّة مؤونتها ، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه ومراقبته فيما حمّله منها فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره فيما فيه عزّ الدين ، وقمع المشركين ، وصلاح الأمّة ، ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسنة ، ومنعه ذلك من الخفض والدعة ، ومحبّة ان يلقى اللّه مناصحا له في دينه وعباده ، ومختارا لولاية عهده ، ورعاية الامّة من بعده ، أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه ، وأرجاهم للقيام بأمر اللّه وحقّه مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك ، ويسأله إلهامه ما فيه رضاه وطاعته ، في ليله ونهاره ، ومعملا في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن العباس ، وعلي بن أبي طالب - فكره ونظره ، ومقتصرا ممن علم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغا في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته حتى استقصى أمورهم معرفة ، وابتلى اخبارهم مشاهدة ( واستبرى أحوالهم معاينة ) « 1 » وكشف ما عندهم مساءلة ، فكانت خيرته بعد استخارته للّه ، واجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده في البيتين جميعا ( يقصد بيت بني العباس وبيت علي بن أبي طالب ) ! عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ، لما رأى من فضله البارع ، وعلمه الناصع ، وورعه الظاهر ، وزهده الخالص ، وتخلّيه من الدنيا ، وتسلّمه من الناس ، وقد استبان له ما لم تزل الاخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متفقة ، والكلمة فيه جامعة ، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا ، وناشئا ، وحدثا ، ومكتهلا ، فعقد له بالعقد والخلافة ( من بعده واثقا بخيرة اللّه في ذلك إذ علم اللّه انه فعله ) « 1 » ايثارا للّه والدين ، ونظرا للاسلام والمسلمين ، وطلبا للسلامة ، وثبات الحجّة ،
--> ( 1 ) هذه الجملة المقوسة ليست في نسخة صبح الأعشى .